يظهر مدى صدق الإنسان مع الآخرين بمقدار صدقه مع ذاته، و تختلف معرفة الفرد بذاته من شخص لآخر حيث يتحكم بهذه المعرفة مقدار القوة التي يستمدها من ثقافة و وعي جماعي و إجتماعي و سلوك بالإضافة إلى النمط البيئي الذي يؤثر بشكل او بآخر في هذه المتغيرات من رحلة الشخص مع ذاته.
بدأت رحلتي عندما أيقنت ان هناك نجوماً في السماء فقد كنت مشدوداً للأرض لدرجة أنني لم أكن أدرك أن هناك معارف كبرى و قوى أكبر من تلك الموجودة على وجه هذه الدنيا و التي يصف اسمها معناها بالضبط دونما تحييز، و كنت أعتقد أن قوى الأرض طردتني منها و لكن أفكر أحياناً بأن قوى السماء شدتني إليها، فقوى الأرض لا تطرد إلا من كان نقياً و لست من النقاء لأطرد منها، على عكس قوى السماء التي تغدق بالمعرفة على الجميع دون تحييز لدين او معتقد او مذهب او عرق، و من هنا كانت البداية.
مددت يدي ذات يوم لأمسك بنجمة، أعتقد الناس إنني أبالغ مازحاً و لكن في الحقيقة وصلت يدي لأبعد من ذلك النجم و تفجر عندي السؤال، هذا السؤال هو الذي نمضي فيه نصف عمرنا و نحن نبحث عنه و نمضي باقي الأيام نبحث عن جوابه.
بدأت رحلة الجواب و كم هي صعبة و مؤلمة و فيها من المصاعب ما تثبط الهمم و كل مواجهة تخرج منها حياً تجد نفسك امام معضلة أخرى لدرجة انني وددت كثيراً الرجوع و العزوف عن تلك الرحلة لولا ذلك الإدمان على لألم ليس حبا في الألم بحد ذاته و لكن شغفاً بالنتائج الطيبة لما بعد الألم الذي لا تتحقق إلا لصابر.
و لا بد من الإعتراف - و الإعتراف ثقافة منبوذة في مجتمعي - أنني تجرأت كثيراً على كل شيء بل و تعدت الجرأة على سائر البشر بمن فيهم المقدس و الممنوع من التفكير في ذاته و سلوكه و تعدت الجرأة للتفكير بذات الله و إنكار الوحي و تكذيب المنزل من القرآن الكريم.
إن الجرأة على ذات الله و إنكار الوحي و تكذيب المنزل من آيات الله في كتابه ظاهرة يومية أراها و يلاحظها غيري عند الآخرين و حتى في أنفسهم و لكن و لإفتقادنا ثقافة الإعتراف - التي شجعت فينا النفاق - قليلاً ما نجد من يجهر به قولاً بالإضافة لفعله المتكرر لأننا تعودنا في المجتمعات الشرقية ان لا نوفّق بين القول و الفعل و لا نعير ذلك إهتماماً و لأنني أعير الإعتراف إهتماماً كان لا بد من الحديث بهذا الجانب.
مع تكذيب آيات الله لاحظت في بداية سورة البقرة الآية "وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " فأخذت المعنى الحرفي للآية كما هي و لأنني في ريب مما نزل على محمد صلى الله عليه و سلم بدأت بالبحث عن سورة علني أجد ما أؤكد به شكوكي من تكذيب للآيات و أعلن نفسي فائزاً.
إستمرت تلك المرحلة قرابة ستة أشهر أتفحص من حولي ما يمكن ملاحظته و عرضه على القرآن الكريم إن كان قد ذكر جهراً او رمزاً لأسطر سورة استطيع التظلل بها معلناً فوزي و لكن يبدوا إنني أحبطت و أدركت مدى تفاهة الإنسان أمام هذا التنزيل العظيم المحكم آياته من لدن عزيز حكيم.
و كما في البداية بدأت جولة أخرى اقرأ و أسمع للآيات لأفهمها كما هي و ليس كما فرض علي فهمها من الآخرين و لم الجأ لكتاب تفسير او أية مراجع دينية فوجدت الكثير من الآيات التي تصف الحياة و الخلق - الكون و التكوين بفهم مغاير عن الآخرين مما جعل من أذني أذن ناقدة أستمع بها لاؤلئك الوعاظ فأتحسر على ضحالة علمهم و سطحية فكرهم فأكثر ما يبدعوا به هو دغدغة عواطف الإنسان ليستميلوهم و يكوّنوا لهم أتباع فيما بعد و بدأت أعتقد جازماً أن هذا هو بداية كل تحزب الذي من شأنه ان يهوى بالفكر الإنساني القويم لأسفل سافلين.
خرجت بالكثير من النظريات العلمية التي من شأنها إضافة المزيد للعلم البشري و تعلمت من القرآن الكريم الأدب و الفلسفة و اللغة و الكيمياء و الأحياء و الفيزياء النظرية و التطبيقية و الرياضيات و التاريخ و الهندسة الزراعية و المزيد المزيد سأحاول أن آتي على ذكرها لاحقاً و لكن أفضل ما خرجت به من تلك المرحلة في هذه الرحلة أن كتاب الله صادق لا محاله و أن وعده حق لا محاله و أن الكثير ممن يدعون الفهم أضحل من ان يخرجوا علينا مبشرين و منذرين دون أن يدركوا ما هو واقع بهم.